عندما اتصل بي صديقي ليخبرني أنه قد اتخذ قراره أخيراً ويطلب مني الحضور في الحال، أصابني توجس غريب.. كنت أعرف اضطرابه وغرابة أطواره في الآونة الأخيرة وقررت أن حاله لا يبشر بخير.
كان قد سقط فريسة لأوهام ظلامية، وأفكارٍ سوداوية منعته من الإختلاط بالناس لفترة طويلة.
على أن هذا لم يمنعني من أن أستقل سيارتي في هذه الساعة قاصداً المكان الذي حدده لي بدقة سائراً وسط شوارع ملتوية، وأفق أرجواني حزين.
وعندما وصلت أخيراً إلى المكان داهمني إحساس غير مريح بأني زرت هذا المكان من قبل، ربما في أحد أحلامي.
بناية عتيقة مهدمة هي للخرائب أقرب، وقد اصطبغت باللون الأرجواني كبقية الموجودات.
قابلني بابتسامة ساخرة ولم يتكلم حتى سألته: "ما الأمر؟"
أخرج صديقي علبة سجائره وناولني سيجارة ثم أشعل واحدة ونفث دخانها ثم قال ناظراً إلي: "اليوم ينتهي كل شيء".
تأملت وجهه مسترجعا بعضاً من ذكريات صداقتنا وأحداث الفترة الأخيرة وقد بدت لي ابتسامته أعرض من اللازم، خيل إلي أنها تخرج عن نطاق وجهه.
أشعلت سيجارتي بدوري وقلت له: "عم تتحدث بالضبط؟"
مشى عدة خطوات ثم جلس على شيء لم أتبين ما هو ثم أجاب: "سنقوم بتصحيح الخطأ".
لم أرد عليه هذه المرة وإنما سكت معطياً له المجال لكي يكمل فتابع: "كما اتفقنا سابقاً، إن الحياة هي أكبر خطأ ارتكبه هذا الكون يا صديقي، إنها شذوذ وخروج عن القاعدة، ومعها تأتي المعاناة والألم .. نعم، لقد وجد هذا الكون ميتاً وسيظل كذلك، واليوم نخرج من هذا الوضع غير المحسوب لنعود لحالتنا الأولية".
كنت أعرف قناعته هذه، كانت إحدى الشطحات التي تمخضت عنها مناقشاتنا، ولكني لم أتصور أنه انتقل من مرحلة النظرية إلى التطبيق العملي، وقبل أن أفكر في شيء أقوله رأيته يخرج مسدساً وقد علت وجهه ملامح جذل ونشوة مجنونة ويقول: "هيا يا صديقي، لقد عشنا معاً طوال هذه التجربة والآن ننهيها معاً، لن يحتاج الأمر سوى بعض الشجا..."
لا أدري متى اتخذ عقلي المشوش القرار، وفي حركة خاطفة كان المسدس في يدي.
نظر لي صديقي في ذهول، ثم صرخ وهو يلوح بيده ويهتز غضباً: "أنت تعلم أن هذا ما يجب عمله، أنت تعلم هذا أيها الجبان الرعديد".
لا أعلم أيضاً متى قررت أن أضغط الزناد..
لم أكن أعلم أن للدم هذا اللون الرائع ..!
أم تراها خدعة أخرى من عقل منهك؟!!
أضغط الزناد ثانية..
أرى صديقي ينزف..
أراه تتسع ابتسامته..
أسمعه يقول "أشكركً"..
وكأنما وجدت الفرصة أخيراً لأصاب بالذعر، ألقيت المسدس جانباً وأطلقت لساقي العنان..
وسط شوارع ملتوية..
وأفق أرجواني حزين..
الجمعة، 26 سبتمبر 2008
لوحة الكونتيسة
لم تشعر مدام (كريستين) بالراحة أبداً تجاه اللوحة الجديدة التي أحضرها زوجها إلى المنزل.
كانت اللوحة عبارة عن بورتريه لامرأة شابة في الثلاثينات، في ملابس ترجع إلى العصور الوسطى الأوروبية، وتتمتع بجمال واضح، إلا أن جمالها لم ينجح في إزالة هذا الشعور المقبض الذي أحست به مدام (كريستين) تجاهها.
تلك الملابس المزركشة.
والنظرة المسيطرة المتعالية في عينيها.
أخبرها زوجها أنها كونتيسة نمساوية، زوجة أحد النبلاء الإقطاعيين الذين عاشوا في القرن الثالث عشر، وأن اللوحة لها قيمة فنية وتاريخية خاصة.
ولكنها بدأت تشعر أن زوجها يبدي اهتماماً أكثر مما يجب تجاه هذه اللوحة المقيتة، فقد وضعها في منتصف الجدار المقابل لمكتبه بحيث تكون أمام عينيه طوال الوقت، وكان يبالغ في العناية بنظافتها، ولاحظت أنه قد يمضي ساعات متواصلة من الوقت في غرفة مكتبه لا يفعل شيئاً سوى التأمل مبهوراً في لوحة الكونتيسة.
وعندما صارحته بذلك أخبرها -وقد اتسعت عيناه في شغف- أنها ليست مجرد لوحة، بل إن لها صوت هامس ورائحة مغوية.
تذكر جيداً أنها استيقظت ليلاً أكثر من مرة لتكتشف غيابه عن الفراش، ولتجده جاثياً أسفل اللوحة يتطلع إليها في انبهار، ويهمس بكلام مبهم.
تذكر جيداً تلك الليلة التي استيقظت فيها على صوت هامس لتجد هذا الظل الأسود الكبير يتحرك خارج الغرفة بينما زوجها يتبعه في استسلام تام.
وعندما تمالكت مدام (كريستين) نفسها في تلك الليلة وتوجهت إلى غرفة المكتب لم يكن منها إلا أن أطلقت صرخة هستيرية حملت كل الرعب في داخلها، وفقدت صوابها إلى الأبد ..
فلم يكن زوجها موجوداً في الغرفة، وإنما كان هناك بجوار السيدة المشؤومة.
لم يعد زوجها أكثر من صورة داخل لوحة الكونتيسة.
نحيب
انطفأت مشاعل الحياة في عينيها ..
ماتت ..
وغسلت دموعي قدماها البلوريتان ..
حملت جسدها سائراً بين أروقة برزخية ..
تحت أقمار سبعة ..
إلى حيث عرشها الأبدي ..
العرش المرصع بالنجوم ..
بين ألف قبر يحملون اسمي ..
لها سجدت آلهة طيبة وبابل ..
وعزفوا الترنيمة الجنائزية ..
وتوجوها للأبد لتكون ..
سيدة الموتى ..
ماتت ..
وغسلت دموعي قدماها البلوريتان ..
حملت جسدها سائراً بين أروقة برزخية ..
تحت أقمار سبعة ..
إلى حيث عرشها الأبدي ..
العرش المرصع بالنجوم ..
بين ألف قبر يحملون اسمي ..
لها سجدت آلهة طيبة وبابل ..
وعزفوا الترنيمة الجنائزية ..
وتوجوها للأبد لتكون ..
سيدة الموتى ..
كتاب الكاهن
كان الليل شاحباً، وقد انتشر الضباب الكثيف ليغطي أنحاء المدينة، عندما قصد الدكتور (سامي) فيلا صديقه الدكتور (شوكت) بعد عودة هذا الأخير من أوروبا. كان (سامي) يعلم تماما أن هذه الرحلة ليست كسابقاتها وأن (شوكت) لابد قد عاد بشيء ما.
ألقى نظرة على الفيلا المتجهمة التي لفها الضباب قبل أن يترجل من سيارته، وفي الداخل استقبله صديقه بترحاب وافر وأخذ يقهقه وهو يقوده إلى غرفة مكتبه في الطابق الثاني.
كانت غرفة فسيحة، وقد احتل كل ركن من أركانها تمثال نحاسي غريب، وازدانت جدرانها بنقوش وزخارف متشابكة، و يتوسطها مكتب خشبي ضخم.
جلس (سامي) موجهاً حديثه إلى (شوكت): "إذن فقد ظفرت به أخيراً".
أشعل (شوكت) غليونه فعبق المكان برائحة الدخان ثم قال مبتسماً: "هو كذلك".
ثم أخرج كتاباً ضخماً ووضعه على المكتب في حركة مسرحية أمام (سامي) مباشرة.
أخذ (سامي) يتأمل الكتاب وقد بدا له بالغ الضخامة والقدم بأوراقه الصفراء المهترئة، ثم رفع عينيه إلى (شوكت) الذي تابع: "أنت تعرف يا صديقي ولعي بالكتب والمخطوطات القديمة، وإن هذا الذي امامك لهو أسطورة حقيقية! إن هذا الكتاب يرجع لأحد الرهبان الكاثوليك الذي انشق عن الكنيسة في العصور الوسطي، ثم اختفى تماماً، أنت تعرف محاكم التفتيش في تلك الأزمنة، يعتقد البعض أنه مات بالطاعون الذي عم أوروبا فيما بعد ، مع أنهم لم يعثروا على جثته قط، ولكني كنت أعلم أن الكتاب ما زال موجوداً".
سأله (سامي) مبهوراً: "وكيف حصلت عليه؟".
ابتسم (شوكت) وهو ينفث دخان غليونه وقال: "إن لي وسائلي يا صديقي، لا تشغل بالك بهذا، المهم أن المشكلة كانت أن الكتاب مكتوب باللاتينية".
ابتسم (سامي) وهو يتأمل النقوش الجدارية خلف (شوكت)، كانت بالغة الجمال، شديدة التشابك، وبدت من خلف الدخان كأنما تتحرك لتزداد تداخلاً وتعقيدا.
كان (سامي) يجيد اللاتينية، فهو أستاذ التاريخ القديم، والمولع باللغات المنقرضة.
قال ل (شوكت) مبتسماً: "ولهذا تحتاج إلى مساعدتي".
رفع (شوكت) حاجبيه وقال: "بالضبط، يقال أن هذا الراهب توصل إلى أسرار مريعة متعلقة بالحياة والموت، وإني على يقين أننا على أعتاب كشف كبير قد يغير نظرتنا لأنفسنا وللعالم ".
نهض (سامي) حاملاً الكتاب بين يديه وقد انتقل إليه الحماس، ووعد صديقه أن يعلمه بالجديد، واصطحبه (شوكت) حتى رأى سيارته تتوارى في الضباب.
إلا أن الدكتور (سامي) لم يتصل به كما وعد.
ولم يفهم زملاؤه سر تغيبه الطويل عن الجامعه.
لم يفهموا إلا عندما اقتحموا شقته بعد مرور عدة أيام ، ووجدوه مشنوقاً في غرفته، وفي ركن الغرفة كانت هناك بقايا محترقة لكتاب مكتوب باللاتينية.
ضيف المرآه
عندما بدأ في ممارسة عادته السيئة في النظر مطولاً إلى المرآه لم يكن يتوقع أن ينتهي به الأمر في بيته مع هذا الضيف غير المرغوب.
بدأ الأمر مع الوفاة المفاجئة لزوجته، ثم تدهورت الأمور كثيراً في عمله، حتى قارب على الإفلاس.
عندها بدأ لديه هذا الميل الغريب للنظر مطولاً إلى صورته في المرآه والتحديق في عينيه بالذات. كان يجد في ذلك متعة كبيرة لم يجد أصدقاءه لها تفسيراً.
في البدء كانت تتراءى له مخلوقات غريبة بشكل صادم، أقرب ما تكون لكائنات الأساطير الموجودة في كتب الأقدمين، ولكنها كانت شفافة مراوغة، ما أن تتضح ملامحها حتى تتخذ أشكالاً جديده.
لاحظ في أحد المرات أن أجزاء من هذه الكائنات كانت تبرز من المرآه وتعبث في الفراغ الموجود خارجها.
ثم ظهر في بيته هذا الشيء.
نسخة طبق الأصل منه، ولكنها معكوسة كما يراها في المرآه، عرف ذلك من الندبة الموجودة فوق عينه اليمنى بدلاً من اليسرى، ولكن كانت له نفس الطبيعة الشفافة الزجاجية لسكان المرآه.
اعتاد أن يراه متجولاً في المنزل من وقت لآخر، ولكنه لم يشاهد عينيه أبداً. كان دائماً مغمض العينين ومبتسماً ابتسامة خالية من المعنى لا تزول أبداً عن وجهه.
أخيرأً قرر التخلص منه عندما بدأت ترافق ظهوره أصوات فحيح منفرة، ولفحات هواءٍ باردة.
أخرج مسدسه وتحين فرصة ظهوره، ثم أطلق النار.
وعندما حضرت الشرطة بعد أن أبلغهم السكان بصوت الرصاص، كان تقريرهم الأولي أنها حالة إنتحار لا لبس فيها.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
